خصوصية الإسلوب في أعمال الشاعر محمد الزهراوي أبو نوفل -المغرب-
غازي أحمد
ابو طبيخ الموسوي
......………………….……
لقد وقع اختيارنا على قصيدة(البُهلول)
كشاهد عميق نحاول أن نتشوف من خلالها أعماق الشاعر باعتبارها مرآة شفيفة تحكي الكثير عن دخيلته وذائقته ومستوى وعيه الإبداعي :
النص:
……..
ألبهلول:
………......
كنتُ آتٍ..
ومعيَ طلائعُ
شمسٍ تولد !
وأطفأَ في طريقي
النجومَ الَّليلُ ..
حرّضَ لصوصَ الغابةِ
وقراصنةَ البحرِ عليَّ .
لأنّي مِن أوّلِ مَن
خَوَّضوا في المحيطِ
أقلقوا سكونَ
الماءِ الفاسدِ ورشقوا
الظلامَ علانيةً !
يومَها صاحتِ الخفافيشُ
خرجتْ عن ..
صمتِها المعهودِ :
(أمسكوا بهم ..
هؤلاء أتباعُ يوحنا) !
ولم أكُنْ ..
غيرَ بُهلولٍ !
غيرَ مُواطنٍ
في زمانٍ هرِمٍ..!
أقلقني الضَّوءُ وأعماني
ليلُ الآخرينَ
وأنا أركبُ صِعابَ الأسئلةِ
أطرقُ آفاقاً مقفلةً..
في صحراءِ الجليدِ
أُجَرْجِرُ رِجْلَيَّ ..
في شوارعِ أهلي،
أُحاذِرُ كلابَ ..
إلـهِ المدينةِ !
أنوءُ بالقهرِ
وبي قلَقٌ
عن مصدرِ النَّبعِ
عن غابةٍ ..
نامتْ ولم تصحُ .
عن النهرِ جفَّ
ولم يعُدْ يجري ..
عن طينِ الشرقِ
ماتَ ..
جفّ فيه الغناءُ ويبسَ العودُ .
وعَذاراهُ تِهْنَ،
يبحثْنَ عن الأبطالِ
وبلقيسُ مهجورةٌ ..
تنتظرُ الشهامةَ !
تنتظرُ الفداءَ والجودَ
لِمَحْوِ العارِ ..
وأحزانِ الديار !
تسألُ : متى ..
يا فدائيُّ تعودُ ؟
ومن البعيدِ،
البعيدِ…
يهتفُ صوتٌ :
آتٍ يومُ قيامتي ..
آتٍ ! !
ومهما تَطاولَ الَّليلُ..
مهما تأخّرَ الصبحُ
سوفَ أُسرجُ
فرسَ الشّهامةِ
فرسَ قيامتي
وأعودْ ؟!
-------
………
تعرفنا على شاعرية محمد الزهراوي أبو نوفل عميقاً من خلال(بُهلوله)هذا،ونعني هذه القصيدة كأول بادرة أثارت انتباهنا إلى وجود شاعر مغربي حداثي مهم ..
نعم ..
إنّ هذا النص الموسوم بهذا الإسم العميق دلالياً،هو مادة حوارنا لهذه المتابعة النقدية.
وإنّ أولَ خاطر
حضر إلى ذهني كان بصيغةسؤال :
ترى ما هي الأسس التي اعتمدها بن سلّام في طبقاته، لترشيح شعراء الطبقة الاولى..
وتلمّساً منّا للإجابة عن هذا السؤال ،نعتقد
بأنّ اوّل مايسترعي الانتباه في أعمال الطبقة الإبداعية الأولى هو:
(غلبة الحسنات الإتفاقية في نصوصهم).
مع أننا هنا نتحدث عن قصيدة نثر،وربّ قائل يقول: إنّ المقاييس تختلف،ولكننا نؤكد :أنّ المقاييس الجمالية الإتفاقية لاتختلف،
وليس على المستوى العربي وحسب،وإنما على المستوى العالمي أيضاً.
من هذا المنطلق فإنَّ أوّلَ وأهم حسنات بهلول الزهراوي في تصوري هي:
*النضج التعبيري السليم.
* النضج الفكري الذي يتبدى من خلال عمق الموضوعات والأطاريح.
*الخصوصيةالواضحة الملامح،فالزهراوي لاينطلق إلا من ذاته وإحساسه.هذه المحطة هي محور اشتغالنا وتركيزنا.
فلهذه الخصوصية اعتبار كبير،لأنها تمثل الإسلوب المتميز لأي مبدع،وإلّا فستغيب ملامحه في طيات وثنايا ملامح الآخرين.
وهذا يُذكّرنا من ناحية أخرى بمقولة الكونت لويس لوكلير دي بفون الشهيرة:(الأسلوب هو الإنسان..او كما يشاع هو الرجل)..
غاية القول إن إسلوبية محمد الزهراوي بالغة التجلي إلى حدود الوضوح، كطريقة متميزة في التعبير.
أليست (اللغة وعاء الذات)،كما يقول هيدجر؟.
وعليه فإنّ تجليات الإسلوب الخاص عند الشاعر يمكن إجمالها بالتالي:
1-إن ذات الزهراوي في هذا القصيد الجرئ على كل الأصعدة قد اختارت قناعاً حكائياً تاريخياً قوي المغزى،مرن الإستجابات،كبنية حمل واسعة لمحمول عميق وواسع هو الآخر، لأنّ ذات الشاعر كانت في الحقيقة ضميراً جمعياً لهموم وإرادات ومطامح شعب كامل..
( ولم اكن غير بهلول
غير مواطن
في زمان هرم
اقلقني الضوء
وأعماني ليلُ الآخرين
وأنا أركب صعاب الأسئلة)..
ومن الواضح إن موهبة وخبرة الشاعر قد جعلاه يكتفي بوجه واحد من أوجه البهلول العباسي المتعددة وأعني به الوجه الأكثر جدية وعمقاً حدّ الإستعداد النفسي المبركن بالروح الفدائية التي تسلك إلى أهدافها إسلوبية الإيحاء والتلميح والترميز أيضاً.
ولكننا لمسنا في أكثر من موضع أن قناع البهلول يضيق أحياناً بطاقة الشاعر، فيمزقه من هنا أو من هناك،من أجل أن يرفع لافتات التصريح بدلاً عن التلميح ،بقصدية واضحة:
( أجرجر رجليّ
في شوارع أهلي
أحاذر كلاب اله المدينة)..
وهذا مجاز ترميزي واضح يبلغ حدّ الشفافية والكشف الصريح.
مع ضرورة الإشارة إلى عنقودية الدوالّ لرمز البهلول الكبير،وسوف نعرض لمستوياته المتعددة لاحقاً.
2-لقد عمل شاعرُنا في هذا النص وفق منهجية شديدة الصعوبة تطبيقياً،
ومنشأ الصعوبة يكمن في كونه جمع بين البراءة والنضج ،ألوعي والّلاوعي،ألرغبات والاهداف،
الاحاسيس الخاصة، والمشاعر العامة،كلها جميعاً في إطار واحد.
ولقد رأينا لطبقات الرغبة المختزنة في الّلاوعي العميق، تجلياتها الواضحة ايضا.
هذه الطبقات ذاتها التي تحدث عنها (لاكان)،إنما وفق طريقة استنطاقية ثاقبة وعميقة..
(وعذاراه تِهْنَ
يبحثن عن الابطال
وبلقيس مهجورة
تنتظر الشهامة
تنتظر الفداء والجود
لمحو العار
وأحزان الديار).
فبين ان نعيَ ونفهم ماذا تعنيه السوريالية فنلجأ الى ترك الحبل على الغارب من خلال (التداعي الحر) الذي نظّر له أندريه بريتون بما يطلق العنان لمفردات الدخيلة بالإنثيال غير الهادف أحياناً،وبين أن تختمر لدينا ذات المنهجية بحيث تتحول الى وعي معمق دفين ديناميٍّ معاً،فيمكننا استبطان واستنطاق كنوز العقل الباطن الحيوية التي يمكن توظيفها في سياق الإطروحة الناضجة،من دون أن تتفلت منا إلى ما لا نرغب بالإفصاح عنه،أو ربما يكون الإفصاح عنه مضرّاً فكرياً،وإبداعياً.
هذا التوجّه يحتاج لإنجاحه إلى جانبين مهمين،وإلّا فسيخرج من أيدينا بكل تأكيد :
الاول:الثقافة العالية والافق الواسع والخبرة المحترفة الراسخة.
الثاني: ألشجاعة الادبية والنفسية حد المصداقية الباسلة.
وهذا ما عمل عليه شاعرنا الزهراوي بنجاح كبير،فقد استوعب عميقاً مضمون ما تحدث عنه الشاعر والروائي الفرنسي فيكتور هيجو حيث عبر عن مثل هذه المنهجية واصفاً إياها ب(الصعود الشاق لزقاق الإلهام الوعر).
وهو عندنا دعوة إشراقية جذرها (حسن الإصغاء لصوت الذات )،كونها مكمن الرؤى وبوابة المعرفة ومكمن الرغبات والمخزونات الخبيئة أيضا.
3- الزهراوي وسلاسة الايقاع الشعري:
هذه المحطة في الواقع بالغة الأهمية في قصيدة النثر خاصة،لذا فنحن هنا بحاجة ماسة إلى هذا اللون من الأداء الشعري الإيقاعي النمودجي.
لقد قد كانت موسيقاه ساقية منسابة متصلة من دون تقطع في الأنفاس.
هذا فضلاً عن شرف موضوعته العالية المقام،
والتي كان يمكن الإشتغال عليها مطوّلاً لأهميتها هي الأخرى ,ولكننا سنكتفي بما قدمناه آنفا للتركيز محورياً على اسلوبيته وخصوصيته الجديرتين بالإهتمام.
وكدارسين نحن بحاجة أكيدة الى التركيز على مادة تتعلق ب(موسيقى الشعر)،الموزعة عنده على موسيقى المقاصير،بل حتى موسيقى الانتقال بين العبارات و العلائق الموسيقية بين المفردات ذاتها.
كما وأنّ الشاعر أمسك بناصية البناء الثلاثي المتمثلة في:
1-فكرة النص.
2-موسيقى النص.
3-التعاقب البنائي المتناسل.
اذ لم ألحظ على الاطلاق وجود فجوة في واحد من عناصر هذه الثلاثية .
والذي يغلب على الظن،أن سر هذا الأداء المبدع يكمن في أربعة جوانب بالغة الأهمية لكل شاعر في الوجود:
أ-مستوى الموهبة.
ب-مستوى الملكة والخبرة.
ج- مستوى رهافة الإذن الموسيقية.
د-مستوى المصداقية المعبرة عن إيمان الشاعر بما يقول ،
وانحيازه غير المفبرك إلى موضوعته،وإطروحته..
هنا لايوجد عند الزهراوي أي نوع من أنواع التقمص،بل كان هو الحلول الكامل، كونه صاحب قضية ،والقضية قضيته وهو لا يعبر الا عن إحساسه الحقيقي الدفين.
ولكن ما أفاض بهذا الكم من الشعرية على النص الى جانب المصداقية هو حسن البناء وتوالدات الحدث الشعري المتصاعدة بحرفنة فطينة الى مسك الختام..
كما وأن الذي أضفى بهذه السلاسة والدفق الحيوي هو ما أشرنا اليه من الجدل الموسيقي الذي ظفر النص بظفيرة واحدة من المطلع فالمقطع فالختام..
إنه تحديداً إحسان الخيارت المناسبة للأداة التعبيرية بما يجعلها سلسالًا إيقاعياً واحداً.
ولاريب أننا بإزاء عاملين خطيربن زلقين هنا لا يجيد التعاطي معهما إلّا من أتقن حرفته في جانب،وتخلص من مخالب تعسفها في جانب آخر..
*إنّ إتقان الحرفة يعني الإشتمال على كل تفاصيلها التي ترشق السياق وتحفظ سلامته وجماله في آن.
*والخلاص من مخالب تعسفها بمعنى الإبتعاد عن التكلف والتعسف والتقعيب والتقعير،وهذا يعني أنّ الحرفيات جميعاً والدفق الموسيقي بكلّ تفاصيله،قد أصبح كما أسلفنا(مَلَكَة)
تلقائية الإسهام
،دينامية الحضور.
إن ظاهرة الشعر الايقاعي الدفين او(الموسيقي الدافق) لهي ظاهرة بالغة الندرة صعبة المراس.ومن تصور أنها في متناول يد كلّ من هبّ ودبّ فهو واهم كبير،ذلك لأنها تعتمد كما كرّرنا لأكثر من مرة على جرس الكلمات.ثم إجادة الربط الجدلي التلقائي بين جميع مفردات النص في (معزوفة هادئة متصلة واحدة).
دلالة اللفظ في قصيدة البهلول:
…………………..
للتذكير نقول: إن مصطلح دلالة اللفظ بحث في حقيقة اللفظ وليس في المعنى الناتج عن استعماله المجازي.
والفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ هي تلك الباء المضافة لتكون خاصة بتوظيف المتكلم للمفردة مجازياً بحسب الحال ،فكما أكدنا على قيمة الإيقاع سابقاً، نبحث الآن عن دلالة الالفاظ.
من هنا فإنّ البهلول-وهو عنوان النص ومفتاحه-قد وردت مُعَرَّفة، وتعريف المفردة هنا تأكيد على معرفة المقصود بذاته.
وكنا قد أسلفنا سابقاً إن البهلول الرمز او القناع إشارة إلى البهلول الذي كان يدعي الجنون في العهد العباسي ليمرّرَ حكمته وآراءه دون أن يقع تحت طائلة الحساب،أما في المغرب العربي -والزهراوي مغربي-فهناك البهلول بن راشد القيرواني التونسي، وهو صوفي زاهد محرّض على العلم والمعرفة،ولا يخشى في الحق سطوة الحاكم1 .
والبهلول الثاني في المغرب الاقصى وهو سيدي الولي الصالح سيدي عثمان بن يحي الصوفي الذي ترك قصيدة تجاوزت المئتي صفحة لازالت إلى الاَن تنشد في المجالس الصوفية والمناسبات الدينية .
وبكل الاحوال بدءاً من العنوان يضعنا الزهراوي في حقل دلالي له علاقة بالاستشراف والعرفان مستخدماً الألفاظ ودلالاتها لتمرير الإشارات المقصودة، وكانت الإشارة الأولى تتلخص في أننا بإزاء رؤية شعرية فكرية تخوض في قضية إنسانية من منطلق صوفي يؤمن بأن هناك شخص منتظر سيكون له التأثير الأكبر في تغيير ما هو سائد .حيث يقول الشاعر (كنت آتٍ ..
ومعي طلائعُ
شمسٍ تُولَد)!!..
وكلنا يعلم دلالة مفردة الشمس، وهي الحقيقة والعدل والحرية.
والمغزى هنا رمزية الصوفي الذي يتصف بالنقاء وقربه من الله وزهده في الدنيا. كان قادماً من أجل نشر النور والحرية، فما كان من الليل إلّا إطفاء نجومه، والليل عنوان للظلم والظلاميين ،
الحرب اذن بين المعرفة الخالصة ذات الجوهر الخلاق،في مقابل الفعل الهدام الذي يحرق رئة الغابات ويدنس مياه الانهار ويطلق أيادي اللصوص لتدمر كل جميل بهذا الكون .
وتأتي الدلالة باللفظ في الشطر الاخير من القصيدة
(ومن البعيد ..
البعيد يهتف صوت :
آت يوم قيامتي ..
آت !!،
ومهما تطاول الليل ..
مهما تأخر الصبح
سوف أسرج ..
فرس الشهامة
فرس قيامتي
وأعود ؟!)،
متناغماً مع تغير الايقاع لينبئ عن الكم الكبير من الأمل الذي يختزنه هؤلاء (البهلول.. الصوفي.. ثمّ أتباعهم )في أن يكون الخلاص قريباً وأن الليل مهما طال فلن يصمد كثيراً، وإن هناك العديد من القيم لابد أن تنتصر في الاخير.
والجدير بالذكر إن هناك تشابها ما بين قصيدة الزهراوي وبين قصيدة الشابي إرادة الحياة التي يقول فيها :
(إذا الشّعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ/ فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ
ولا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي/ وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَـنْكَسِـر)*
فكلاهما يحمل نفس الإيمان بقدرة الانسان على التغيير اذا أحسن فعله في الوجود،
وليس ماذكرناه تناصّاً محضاً،وإنما هي قيم إتفاقية،وآمال إنسانية يؤمن بها جميع البشر الأسوياء،وتتكرر في كل حين على ألسنة المفكرين والشعراء.
-------------------- ---------
1-البيان في أخبار الأندلس و المغرب؛ إبن عذاري،صفحة 310
*- قصيدة إرادة الحياة لأبي القاسم الشابي.
تعقيب الناقد المصري القيس هشام الفاضل على بهلول الشاعر محمد الزهراوي أبو نوفل ،ننشره استكمالاً لمطالعتنا لذات النص وإضافة مهمة رصينة ،مع التقدير:
…
قراءة واعية الحلول ...
.... وكيف لا ونحن أمام ناقد بارع يطاول النجمات
وليس في هذا مجاملة ولكنه ما وقر في ذاتي العاشقة للأدب تجاه قامة أخي وصديقي الناقد القدير آفاق نقدية..
…
نص الشاعر موضوع الحوار:
……………………………………
ألبهلول:
………......
كنتُ آتٍ..
ومعيَ طلائعُ
شمسٍ تولد !
وأطفأَ في طريقي
النجومَ الَّليلُ ..
حرّضَ لصوصَ الغابةِ
وقراصنةَ البحرِ عليَّ .
لأنّي مِن أوّلِ مَن
خَوَّضوا في المحيطِ
أقلقوا سكونَ
الماءِ الفاسدِ ورشقوا
الظلامَ علانيةً !
يومَها صاحتِ الخفافيشُ
خرجتْ عن ..
صمتِها المعهودِ :
(أمسكوا بهم ..
هؤلاء أتباعُ يوحنا) !
ولم أكُنْ ..
غيرَ بُهلولٍ !
غيرَ مُواطنٍ
في زمانٍ هرِمٍ..!
أقلقني الضَّوءُ وأعماني
ليلُ الآخرينَ
وأنا أركبُ صِعابَ الأسئلةِ
أطرقُ آفاقاً مقفلةً..
في صحراءِ الجليدِ
أُجَرْجِرُ رِجْلَيَّ ..
في شوارعِ أهلي،
أُحاذِرُ كلابَ ..
إلـهِ المدينةِ !
أنوءُ بالقهرِ
وبي قلَقٌ
عن مصدرِ النَّبعِ
عن غابةٍ ..
نامتْ ولم تصحُ .
عن النهرِ جفَّ
ولم يعُدْ يجري ..
عن طينِ الشرقِ
ماتَ ..
جفّ فيه الغناءُ ويبسَ العودُ .
وعَذاراهُ تِهْنَ،
يبحثْنَ عن الأبطالِ
وبلقيسُ مهجورةٌ ..
تنتظرُ الشهامةَ !
تنتظرُ الفداءَ والجودَ
لِمَحْوِ العارِ ..
وأحزانِ الديار !
تسألُ : متى ..
يا فدائيُّ تعودُ ؟
ومن البعيدِ،
البعيدِ…
يهتفُ صوتٌ :
آتٍ يومُ قيامتي ..
آتٍ ! !
ومهما تَطاولَ الَّليلُ..
مهما تأخّرَ الصبحُ
سوفَ أُسرجُ
فرسَ الشّهامةِ
فرسَ قيامتي
وأعودْ ؟!
.....
تعقيب..
الناقد المصري
الفيس هشام
...
النص بالفعل يحمل تلك الرمزية التي تمنح المتلقي تورية فكرية عبر تغيير ماهية ظهورها وحلولها من فرضية وقرت في عقلنا الجمعي عن تعمية مفردات هذا البهلول لعيون أفكارنا بحيث تبطن غير ما تظهر ...
.... لتسقط تلك الفرضية مع مثول مضمون واضح صريح للرمز وللتشكيل اللفظي للنص ...
... حاديه تلك الرغبة في صنع التغيير بالمباشرة الممتنعة عن هجاء الرؤى لها بلفظ أنها مباشرة ...
... في عروج فني وهبها محطة تحصيل رسوم ثقة من كل عابر لدروب النص ...
.... مع تلك النظرة شمولية التخطي لحلقات الدفق الفكري منذ أول عتبات النص وحتى وضع الحبر لختام يعني بداية ظهور المخلص على هامش تتر سينما وسن هذا البهلول ...
......
... ومع تلك الصور المتنامية التي تتمخض عن اخرى بحرفية تأخذنا في معية الدفق التصويري الذي لا يشوبه التكلف ....
.... وتلك الأنزياحات الظاهرة للعيان والمستترة التي يمنحها المعنى من خلال الصور ...
.... لنتوقف بدهشة مع تلك التناصات المتعددة خاصة تناص " بلقيس " الرمزي المسقط على انثى حلولها يحمل نكهة الوطن ...
..... ثم عروج تناصي مستتر من قلب ما يوحيه لفظ بلقيس في وجداننا العربي وتلك القصة المشهورة والتي تضعها كملكة من ملوك سبأ في اليمن " حقيقة تأريخية مؤكدة " ...
..... هنا يأتي التناص المستتر الذي يحمل عين التخصيص الشمولي ...
.... تخصيص أمة بعينها ...
... وشمولية المقصد ليشمل جميع طوائفها وليس مجتمع بعينة من المجتمعات التي تحتويها كأمة ...
.....
.. هنا كان التناص المستتر عبر التأويل من خلال ما وقر في ثقافتنا الخاصة من أن العرب العاربة ـ نسبة ليعرب بن قحطان اليمني ـ هم المورد والرافد القوي الذي مد معين العرب عقب ما تم تسميته بالعرب البائدة ..
..... من هنا نحن أمام تناص مستتر عبر شمولية المعنى وما وقر من حضور اسم بلقيس في إسقاط على العرب ككل وليس مجتمع من مجتمعات تلك الأمة ...
.....
... من خلال التصريح الذي أحدث تغيير في منهجية البهلول الرؤيوية ....
.... ثم العودة للتلميح من خلال تناص مستتر يستقرأ ولا يرى ...
....
.. النص مبهر ...
...... والدراسة النقدية وارفة حملت جميع الابعاد بحرفية ناقدنا القدير ...
.....
.. أخي وصديقي اشكرك على تلك القراءة الثرية
التي كانت حادية لحراك أدبي ثقافي فكري
مودتي وضوع نيل دياري لأبن دجلة والفرات
الفيس هشام / مصر


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق